تحت الحجر مع عيد عشاب، ومريم، وسيلفيا، وساره وبطل الرواية، لم أستوعب أن البطل كان لا يحمِلُ اسماً إلا بعد أن فرغت من قراءتها !
أنهيت الرواية أخيراً ، كانت مُتخمة بقدرٍ كبير من الحزن والموت و الكآبه التي تبعث على القرف، للحظةٍ أحسستُ بأنّي سأستفرغُ دَماً وقطعاً من روحِي معاها !، كل الروايات الجِدّية حزينه، وكُل الكُتاب فيها مفجوعين ومنكوبين بتجاربهم وأقدارهم، ثم يأتِي من خلفِهم القُرّاء ليلتهموها بحثاً عن أجوبةٍ لأسئلتهم وأسرارهم وعن مُتعةٍ ما، فيعديهم مرض الكاتِب وحزنُه وبهذا تكتمل المعادلة وتستمر دورة القراءة والكتابة إلى أن تقوم الساعه !
لا تورِثُنا القراءةُ الحُزنَ وحسب، وإنما تغير مفاهيمنا عنه، و منظورنا له، وتعمّق صِلتنا به، إنها تجعلنا نراهُ كائنا أنيقاً ينبغي علينا دوماً أن نُحسِن هندمته، وطِفلاً مُدللاً يجبُ أن نهتم بتنشئته، حتى لا يكبر قبيحاً هزيلاً لا نقدِر على تطويعهِ، وتؤذيناً دمامة خِلقتِه.
أكرهُ حالة الفلسفة هذه، والتي تُصيبُني بعد كُل قراءةٍ عميقة، وأكرهُ الصُداع الملازم لها، وحاجتي المُلِحّه للكِتابه من بعدها، وأكرهك أكثر، و كأنك مصدرُ الغباء الرِجالي على الكرةِ الأرضيه.
هربت مريم من حبيبها في "طوق الياسمين" وتزوجت جعفر، لتكتشف بعد الزواج بأن قلبها قابِعٌ مع حبيبها السابق، وبأنها حتى وإن أصبحت أماً كما كانت تشتهي -وهو ما دعاها للتنازُلِ عن الحُبّ الكبير- لم تكُن لتصبح سعيدةً لأنها ببساطة خسرت حُبها، فعادت للبطل وتركت زوجها جعفر. وتخلت مَها عن ناصِر في "سقف الكفاية" لأنه رجُلٌ لا يبدو بأنه مستعد لتغيير الأقدار من أجلها، لتعود بعد سنتين ونصف بحثاً عنه.
تكرارٌ غبي لنفس المشاهد والمواقف، واستيعاب متأخر للمشاعر، يقول واسيني الأعراج " الرجل يقبل بسرعة خسارته، ليس مثل المرأة التي تعطيك الانطباع بالخسارة، ولكنها تظل في خفاءٍ ما تبحث عن أكثر الأسلحة فتكاً"، إذاً الرجل كائن مستسلم رغم قوته الظاهره، والمرأة كائنٌ محارب رغم ضعفها البادِي، كيف اجتمعنا على هذه الأرض إذًا !
تتمادى النِساءُ في مشاعِرهِن، فيغيّرن القوانِين والعادات والموروثات المُجتمعية والقَبلِيه دِفاعاً عنها، إيماناً منهُن بأن الحُب هُو استِراحَةُ المُحارِب المُتعبِ من هذه الحياة، ويستسلِم الرجال بُكل غباء، مُعلّلِين جُبنهم بالمنطِق والأقدار، و بفواتِ الأوان !، لهذا يموتُ الرِجال سريعاً، ونحيا نحنُ النِساءُ أعماراً أطول عادةً، يبدو أن الحياة في مُنتهى المطاف تستشعِرُ كِفاحنا فتباركه بطول العمر، وتتحسس استسلام الرِجال فتشمئزُ منه، وتُعرض عنهم لأنها هي الأُخرى أُنثى !
عشرون نصاً شاردًا، كلّما حاولتُ الإمساك بأحدها، وجدتُ نصاً آخر مختلفًا تماماً على ورقتي!، ولكن هذا لا يغيّر من الأمرِ شيئاً، فالأشخاص المعنيون لا يقرأون، والقارئين دائماً ما يُربِكوننا بشكوكهم وتحليلاتهم وافتراضاتهم، الأمرُ برِمّته أشبه بعبثٍ فارِغ على ما أعتقِد !
لو أنك تقرأ، ولو أنك فعلاً ستفهم النص وترى ما بين السطور إذا قرأت، كنتُ سأكتُب لك مِثل مريم، كيف ومتى وأين، ولكنك يا صديقي لا تكترث ولا تهتم، وقد أصابنِي مرضُك هذا فأصبحتُ أنا أيضاً لا أهتم !
ماتت الأسئلة، ومرِضَ الحُبُ الكبير قبل أن تراه، ولكِني لا أعلمُ تماماً لماذا رفضت مقابلته قبل أن تتعرف عليه، توقيتُك سيءٌ دوماً، وأنا توقّفتُ تقريباً عن تخيّل الأشياء التِي قد تحدُث لو أنّك أتيت في الوقت الصحيح ،قبل أن تضيع طاقتي في محاولات إقناعك، لتأتِي بعد أن استهلكت جميع قوتِي فتجدني كالبلهاء، لم يبقى في عقلِي خليةٌ واحِدة لم تحترِق، ولا أقوى على الإمساكِ بقشّةٍ، فضلاً عن الإمساك بِك !
مسكينةٌ مريم !، وعشرون عاماً من الحُزن والعذاب لا تكفي البطل الذي لا يملِكُ اسماً حتى !، لو أن الكاتِب مد في حُزنِه عشر سنواتٍ أُخرى على الأقل قبل أن يغرقهُ في طوق الياسمين، حتى يُتِمّ الثلاثين وتكتمل سُخرية الأقدار، لكان أقرب للعدل !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق