الرابعه وخمسون دقيقه مساءًا، ترجلت من سيارتي المرسيدس إس كلاس كوب آخر موديل باللون اللؤلؤي، كنت أرتدي قميصاً أبيض و بِنطال واسع وسُترة بلونٍ زهري وأحمل على ذراعي حقيبتي المفضلة ليدي ديور باللون الوردي. توجهت إلى معملِي الصغير أو كما يسميه المستشيرون "العيادة العاطِفية"، استقبلتني السكرتيره الجميلة "دال" بقائمة المواعيد.وقد حرصتُ كل الحرص أن تكون سكرتيرتي الخاصة جميلةً فعلاً ومُلفته لا لسببٍ محدد سوى أن السكرتيرات عادةً ما يكن جميلات وقادرات على الغواية في الاأفلام والكتب وأنا شخصياً لا أحتاج الكثير منها ولا يوجد لدي الكثير من المتطلبات، لهذا استسلمت لما هو سائد في انتقاء "دال".
بالمناسَبه أنا "صاد"، مُستشارة عاطِفيه، أو كما يُنادينِي المُستشيرون "دكتوره صاد" وحقيقةً أنا لا أمانع لقب دكتوره لأنني لا أنقص عن الدكاترة في شيء فأنا أجالس مرضى العاطفة وأعالج مشاعرهم وأحافظ على سلامتهم الدخلية، وهو مالا يستطيع بعض الأطباء الفعلين فعله. لقد سمعت بأن أطباء الأشعة مثلاً لا يقابلون المرضى أو أطباء التخصصات الأخرى، ويكتفون بالجلوس في استديوهات مظلمة يتفقدون الصور ويكتبون التقارير، ولا أحد يعلم فعلاً إذا ما كانوا هم الذين يقومون بهذا العمل أم أنهم طوروا نظاماً ما يقوم بالكتابة والتشخيص عنهم.
أما عني أنا فالحقيقة هي أنني لم أدرس عِلم النفس أو الطِب قط وأقوم بتقديم المشورات العاطِفية استناداً لخبرتي الشخصية وتجاربي العديدة ولا شيء سوى ذلك. ولا أعني بالمشورة العاطفية الحُب فقط، وإنما يفوق مجال خِبرتِي قضايا الحب ليشمَل الزواج والطلاق والخيانة والأمومة والصداقة، والعلاقات بالحيوانات والجمادات، ولا أنسى علاقات الحب من طرفٍ واحد أو من طرفٍ ثالث، و كل مالهُ علاقه بمشاعِر الإنسان. ويكفيك عزيزي القاريء أن تعلم أنني أجني دخلاً كريماً يوفر لي السيارة سابقة الذكر بالإضافة لِڤيلا فخمة على شاطئ البحر الأزرق ومعملِي الكبير وشقة سكنية في المدينةِ المحبوبه من غير ديون أو أي التزامات مالية تذكر، لتستشِف مدى نجاحِي، وفعالية استشاراتي الحكيمة.
لحسن الحظ كان يوم الخميس هو يوم المتعة الخاص بي، وهذا لا يعني بأنني لا أستقبل المواعيد في هذا اليوم السعيد، وإنما أستقبل نصف عدد المواعيد اليومية و أفيض فيه على المُستشيرين المحظوظين من وافِر حكمتي، ونصائحي القيمة ووقتي الثمين، وأستثني من هذه المميزات من يأتيني باكياً لأنني مُرهفة الإحساس وغالباً سأقضي عطلة نهاية الأسبوع في التفكير في هؤلاءِ المساكين وهذا ما أرفضه تماماً.
الإستشارة الأولى ..
قرعت "دال" الباب بعد دخولي بسبعة دقائق مُعلِنَةً قدوم المُستشير الأول ولسوء الحظ كان رَجُلاً !
عادةً ما يأتي الواحدُ منهم مُشككاً فيما أفعلُه مِن قبلِ أن يُقابِلني، ينخرط في الجِدال والقِتال وكأنني أدّعي النبوة وإحياء الموتى، وينسى أنه ليس مرغماً على المجيء إلي، فضلاً عن تصديقي. وأنا لا أحب شرح تصرفاتي، أو تفسير نفسي للآخرين.
دَخل المُستشير "لام" إلى مكتبي، كانَ شاباً نحيلاً في العشرينات من عمره يرتدي جينزاً فضفاضاً وبولو شيرت باللون البنفسجي الفاتح، ألقى التحية ثم استأذنَنَي للجُلوس فأومأتُ إيجاباً.
د. صاد: أهلاً، كيف حالك ؟
لام: الحمدلله بخير
د.صاد: لون البولو شيرت خاصتك جميلٌ جداً، في الواقع أمتلك واحدًا مثله.
لام: شكراً.
د.صاد: لستُ أحاول تعميق الصلة بيننا بالمديح، ولكنني حقاً أحب هذه الدرجة بالذات من اللون البنفسجي، وأظن بأنه فألٌ جيد لهذا اليوم.
لام: ..
د.صاد: تبدو من النوع الخجول !
لام: اممم نعم.
د.صاد: وأنا كذلك !
لام: امممم
د.صاد: لا أستطيع خلق الأحاديث مع من لا أعرفهم، أ مع من لا يعجبونني، أو إذا ما كنت حزينة، ولستُ بأحد هؤلاء اليوم، ولكن ما رأيك أن نتطرق للحديث عن سبب وجودك بلا هذه المقدمات ؟
لام: ...
امممم في الحقيقة لا أعلم كيف أبدأ، وأنا شخصٌ كتوم منذ طفولتي ولكن ما أمر به أمرٌ لا يحتمل الكتمان.
د. صاد: عظيم، إذًا الرغبة في البوح موجودة ممتاز !
لام: اممم لكنني فكرتُ أن تعطيني بعض النصائح العامة التي قد أجد فيها ضالتي من غير أن أتحدث عن مشكلتي. وإذا لم تكن على قدر حاجتي فأنا أظن بأنها ستوطد العلاقة بيننا وتثمر حديثاً صادقاً على الأقل.
د. صاد: اها أنت هنا للتشكيك في مهاراتي إذًا !
لام: لا يا سيدتي أقسم لكِ، كل مافي الأمر أنني أتحرج من هذا البوح، فليست عادتي الشكوى ولا كثر الكلام !
د. صاد: اممم دعني أفكر قليلاً.
لام: حسناً.
لا أعلم هل يشكك في هذا الصعلوك الصغير أم أنه صادقٌ في القول، وماهي الحكمة التي يسعى لسماعها، هل يظنني جني المصباح حتى أتكهن باحتياجاته. وماهي الوصايا التي سألقي بها على شاب لا أعلم عنه شيئاً. لحسن حظه أنني في مزاجٍ رائعٍ اليوم ولن أسمح له بتعكير صفوي حتى لو كان من المشككين !
د. صاد: حسناً سأطلعك على بعض الواصايا التي أخبرها لنفسي من حينٍ لآخر، ولكن ينبغي عليك أن تعلم أنها قد لا تنطبق عليك بالضروره، وليست موجهة لك علي حال.
لام: حسناً.
د. صاد: وشيءٌ آخر، لا تتحدث حتى أفرغ من حديثي، وإذا أردت الحديث أو النقاش فيما أقول فعليك أن تنتظر حتى أنتهي من كلامي.
لام: موافق.
د. صاد: حسناً استمع جيدًا:
١- الله هو الحقيقة الثابتة الوحيدة، كُل الحقائق الأخرى قد تتبدل، إذا أردت أن تكون على حق اسأل الله وحده وانتظر الإجابة منه، أولم يُخبِرنا سبحانه بأنه نورُ السماوات والأرض ومصدر النور بينهما، لهذا لن يُنير مصباحك إلا هو عز وجل. لا ترتجِي نوراً من البشر مهما طالت معرفتك بهم ولا تعتمد على حقائقهم إلا ما أُلهِمت صوابه بعد سؤال الله !
٢- العقل زائد، كرّم الله بِه الإنسان ليستوعِب رسالاتِه. العاطِفه هِي الأساس، ولا أعلمُ شيءً واحِدًا يربط بين الجن والإنس والحيوانات والأشجار والأحجار سوى المشاعر.فالرضيع يستشعر من الأم حنانها قبل أن يفهم صوتها. العقل نافِذة الخُبث لأنه قد يقدم المنفعه الذاتية على المنفعة الجماعية.
٣- معرفتنا السابقة بالحقيقة لا تعطينا الحصانة ضِد الوَجع، ولا تمنعنا من المضي في طريقها. معرفتنا السابقة بأننا سنموت جميعاً لا تمنعنا من البكاء إذا مات أحبائنا، ولن تمنعنا عن حبهم والتعلق بهم.
٤- لكل انسان معاناته الخاصه التي قد يُهلِكُ نفسه في سبيلها لأنه الوحيد القادر على رؤية الطائل من ورائها. قد تكونُ مالاً أو طِفلاً أو حتى علاقة حب. فمثلاً الباحث عن المال يجهد نفسه بالعمل وقد يرتكب الحماقات في حق صحته وأهله للحصول على المزيد من المال ومهما أخبرته بأنه لا يحتاج المزيد لأنه يمتلك الكثير فعلاً، فلن يتوقف لأن ثمة طائلٌ يرى أنه يستحق التضحية بكل ما سبق.
٥- أقصر طريقة للجواب هي السؤال. الحوار وحده هو ما يلمّع العلاقات، إنه يكشف الالتباس، ويبدد الحيرة، ويوضح الخلل، وينمّي كل ما هو جميل.
٦- الحب رِزق، لا تنمو بذرته إلا بإذن الله وحده، ولو أنك قدمت الأرض ومافيها وشفّعت الشافعين، وسألتَ الداعين ولبثت تصلي السنين، لن يرزُقك الله حُباً لا نصيب لك فيه.
٧- إعلم أن مَن يُحِبّك بصدق يرى عيوبك بشكل أوضح من الحاقدين حتى، شدّة التصاقه وتعلقه بك تجعلهُ يرى كُل الثقوب في روحك من غير عمد أو جهد منه. لهذا عندما ترى حبيباً لا يذكر في محبوبه إلا الحسنات، فلا تفكر بأنه شخص بالغ الطيبه، أو شديدُ الغباء، أو أن الحُبّ أعماه، ولكن تأكد بأنه يكتُم السيئات جيداً.
٨- لا يوجدُ انسانٌ مغفّل، أو طيبٌ لدرجة الغباء، فالعقل يقِفُ دائماً خلفَ المشاعِر ليحميها ويصحح مسارها. خُذ عندك الأطفال وكوب الشاي الساخن، دائماً ما يركضون إليه بلهفة الطامِع في هذا الشيء الجميل ولكن حروقهم الأولى تعلمهم أنه جميلٌ مؤذي لهذا يجب الابتعاد عنه. وتذكر بأن الاقتراب من الكوب مرةً أخرى قد يكونُ خداعاً للمشاهد.
٩- إياك أن تَخجلَ مِن مشاعِرك التي وضعها الله في قلبك فكما سبق وأخبرتك الحب رزق. فإن قُوبلت مشاعِرك بالقبول فأهلاً وسَهلاً. وإن جاءك الرفض فاعلَم بأنك لم ترتكِب فِعلاً مُشيناً تخجلُ منه، أو ذَنباً فاحِشاً تختبئ بسببه. ويكفيك فخراً أن لَك قلباً رَقيقً تُلونهُ الفصول، وتُثمِرُ فيهِ الحقول، تزهِرُ فيه الكلمات، وتذهلُهُ المعجزات.
١٠- إن القسوة هي أكثرُ ما أخشاهُ على قلبي. ويُرعِبُنِي قولُه تعالى: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةۚ"، و يتقطّع قلبي ألماً عندما أعلمُ أن الحجارة قد تكونُ أحياناً أرق من القلوب القاسية عندما عقّب بقولِه تعالى: "وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ"، لهذا أجتهِدُ دوماً في الشعور بمن حولي وإن كنت لا أعرِفُهم، خوفاً من أن أحبِس الماء من الانسياب مِن قلبي لو تحجّر في يومٍ ما !
١١- أنتَ المصدرُ الوحيد للحُب الذي يخرُجُ من قلبِك، لا تُفكر أن أحدًا غيرَك لَهُ الفضلُ في ذلك. لهذا إن أرَدتَ أن تَعرِفَ حقيقتَك انظُر لحالِك حينما تُحِب، بما في ذلك البدايات ومستوى التضحيات، و ما فَعلتهُ في النِهايات. وتذكّر دوماً بأننا نُحبّ ما رأيناه ينبع منّا من خير في سبيلِ من نهوى، أكثر من حبنا للخير الذي قدمه إلينا المحبون.
١٢- وأخيراً، الصمت أقسَى أنواع العِقاب، لأننا بصمتِنا نُسلّم الطرفَ الآخر لمتاهة الإحتمالات، وعبث الظنون، ودهاليز التفكير المُربكة، وتأنيب الضمير المُرهِق، و مُحاسبات النفس الحارِقه. لهذا أنقِذ من تُحِب من هذه الآفات بكلماتِك.
هذا والله أعلم، ها أي سؤال ؟
لام: قمت بكتابة نصائحك هذه وأظن بأنني سأفكر ملياً قبل السؤال عنها، وقد تحمل الجلسة القادمة الرد مرفقاً بالبوح.
د. صاد: إذًا هل تظن بأننا اتفقنا ؟
لام: لا يسعني أن أسميه اتفقاً، ولكن ما لاشك فيه هو أن طرقنا التقت في هذه النقطة، وبت أعلم جيداً أن قدماي تعرفان طريق العيادة، وهاتفي يخزن أرقامها، ولن يفصلني عن القدوم مجددًا سوى الرغبة في القدوم من عدمها.
د. صاد: هذا رائع، عطلة نهاية اسبوع سعيدة لك إذًا !
لام: ولك أيضاً، إلى اللقاء.
د. صاد: باي.
